الجزائر تقطع العلاقات مع الإمارات وتغلق أجواءها أمام الطائرات الإماراتية
زلزال دبلوماسي يضرب شمال إفريقيا.. 5 ملفات تقف خلف الانفجار بين الجزائر وأبوظبي
دخلت العلاقات الجزائرية الإماراتية مرحلة غير مسبوقة، بعدما أعلنت الجزائر، في 10 سبتمبر 2026، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في خطوة أنهت سنوات من التوتر المتصاعد بين البلدين.
وجاء القرار بعد ما وصفته وزارة الخارجية الجزائرية بـ«تزايد التصرفات الاستفزازية أو العدائية» الصادرة عن أبوظبي، مؤكدة أن الجزائر استنفدت، بحسب البيان، جميع السبل التي كان يمكن أن تتيح الحفاظ على العلاقات الثنائية. كما تم استدعاء السفير الإماراتي وإبلاغه بالقرار ومنحه مهلة 48 ساعة للامتثال له.
ولم يتوقف التصعيد عند المستوى الدبلوماسي. فقد أعلنت وزارة الدفاع الوطني الجزائرية إغلاق المجال الجوي أمام الطائرات المسجلة في الإمارات، المدنية والعسكرية، ابتداءً من منتصف ليل 11 سبتمبر/أيلول، مع استثناء الرحلات التجارية المدنية الإماراتية من وإلى مطار هواري بومدين الدولي، والتي ستستمر حتى نهاية العام الجاري وفق العقد القائم.
وفي المقابل، أعربت أبوظبي عن أملها في أن يكون قرار القطيعة مؤقتًا، مؤكدة تمسكها بالروابط التي تجمع الشعبين وبالمصالح المشتركة بين البلدين.
فما الذي أوصل العلاقات بين الجزائر وأبوظبي إلى هذه المرحلة؟
أولًا: صراع النفوذ في الساحل الإفريقي
تُعد منطقة الساحل واحدة من أكثر ساحات التنافس الإقليمي حساسية بالنسبة للجزائر.
فالجزائر تنظر إلى محيطها الجنوبي باعتباره مجالًا حيويًا لأمنها القومي، وتولي أهمية كبيرة للحفاظ على نفوذها التقليدي في مالي والنيجر ومنطقة الساحل عمومًا.
وفي المقابل، توسعت خلال السنوات الأخيرة أدوار قوى إقليمية مختلفة في المنطقة، من بينها الإمارات، في وقت أصبحت فيه ملفات الأمن والطاقة والنفوذ السياسي في الساحل جزءًا من منافسة أوسع بين القوى الإقليمية.
وتشير تحليلات تناولت الأزمة الجزائرية الإماراتية إلى أن التباين بشأن إدارة أزمات الساحل وتطور التحالفات في المنطقة كان أحد عناصر التوتر المتراكم، وإن لم تعلن الجزائر رسميًا أن هذا الملف وحده كان سبب قرار قطع العلاقات.
ثانيًا: الصحراء الغربية والتحالف الجزائري المغربي
ربما يمثل ملف الصحراء الغربية أكثر نقاط الخلاف وضوحًا بين الرؤيتين الجزائرية والإماراتية.
فالجزائر تتمسك بموقفها الداعم لجبهة البوليساريو وبمسار الأمم المتحدة لتسوية النزاع، بينما اتخذت الإمارات موقفًا داعمًا للمغرب في القضية، وافتتحت قنصلية عامة في مدينة العيون عام 2020.
هذا الاصطفاف الإماراتي إلى جانب المغرب يُقرأ في الجزائر باعتباره جزءًا من إعادة تشكيل موازين القوى في شمال إفريقيا، خصوصًا في ظل القطيعة القائمة أصلًا بين الجزائر والرباط.
وبالتالي، لم تعد العلاقات الجزائرية الإماراتية منفصلة عن الصراع الأوسع حول النفوذ والتحالفات في المغرب العربي.
ثالثًا: ليبيا والحدود الشرقية
تشكل ليبيا ملفًا آخر شديد الحساسية بالنسبة للجزائر.
فالحدود الجزائرية الليبية تمتد على مسافة واسعة، وأي تحول في ميزان القوى داخل ليبيا يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على الأمن الجزائري.
وتتبنى الجزائر منذ سنوات خطابًا يركز على الحل السياسي ورفض التدخلات الأجنبية في الشأن الليبي، بينما ارتبط اسم الإمارات خلال مراحل مختلفة من الأزمة الليبية بدعم أطراف سياسية وعسكرية داخل البلاد.
وهنا يظهر اختلاف واضح في مقاربة البلدين للملف الليبي، خصوصًا عندما تتقاطع الأزمة الليبية مع حسابات النفوذ الإقليمي والأمن الحدودي.
رابعًا: اتهامات بالتدخل والاختراق
لم يعد الخلاف بين الجزائر وأبوظبي مقتصرًا على الملفات الخارجية.
فخلال الفترة الماضية، ظهرت في الخطاب السياسي والإعلامي الجزائري اتهامات موجهة إلى الإمارات بالتدخل في الشأن الداخلي ومحاولة التأثير في القرار السياسي الجزائري.
كما تحدث الرئيس عبد المجيد تبون في مناسبات سابقة عن دولة خليجية دون تسميتها، في سياق انتقادات تتعلق بمحاولات زعزعة الاستقرار والتدخل في الشؤون الداخلية، وهو ما فُسر على نطاق واسع في وسائل الإعلام بأنه إشارة إلى الإمارات.
لكن من المهم التمييز بين الاتهامات السياسية والإعلامية وبين ما أكدته الحكومة الجزائرية رسميًا باعتباره سببًا مباشرًا للقطيعة؛ فالبيان الرسمي الذي أعلن قطع العلاقات تحدث عن «تصرفات استفزازية أو عدائية» دون نشر قائمة تفصيلية بهذه التصرفات.
خامسًا: فلسطين والتطبيع مع إسرائيل
تمثل القضية الفلسطينية نقطة اختلاف جوهرية أخرى بين البلدين.
فالجزائر تتبنى موقفًا رافضًا للتطبيع مع إسرائيل وتضع القضية الفلسطينية في صدارة خطابها الدبلوماسي، بينما أقامت الإمارات علاقات دبلوماسية مع إسرائيل في إطار اتفاقات أبراهام عام 2020.
وبذلك أصبحت هناك فجوة واضحة بين الرؤية الجزائرية والرؤية الإماراتية اتجاه شكل النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ولا يعني ذلك أن ملف التطبيع كان بمفرده سببًا رسميًا للقطيعة، لكنه يمثل أحد العوامل السياسية التي تفسر اتساع الهوة بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.
من التوتر إلى القطيعة
اللافت أن قرار سبتمبر 2026 لم يأت من فراغ.
ففي فبراير الماضي، بدأت الجزائر إجراءات مرتبطة بإنهاء اتفاقية الخدمات الجوية الموقعة مع الإمارات عام 2013، في مؤشر إضافي على تدهور العلاقات الثنائية.
ثم جاءت القطيعة الدبلوماسية لتضع حدًا لمسار طويل من التوتر، قبل أن يتبعها القرار العسكري المتعلق بالمجال الجوي.
ومع ذلك، فإن الاستثناء الذي أبقى الرحلات التجارية الإماراتية من وإلى مطار هواري بومدين حتى نهاية 2026 يكشف أن القطيعة السياسية لا تعني بالضرورة قطع جميع الروابط العملية والاقتصادية بصورة فورية.
ماذا بعد؟
السؤال الآن ليس فقط لماذا وصلت الجزائر والإمارات إلى القطيعة، وإنما إلى أين يمكن أن تقود هذه الأزمة؟
فالعلاقات بين البلدين كانت تمتد إلى ملفات اقتصادية واستثمارية وجوية، كما أن البلدين يتحركان داخل فضاء عربي وإفريقي شديد الحساسية.
وقد يكون القرار الجزائري بداية لمرحلة جديدة من إعادة ترتيب التحالفات في شمال إفريقيا والساحل، خصوصًا في ظل التنافس المتزايد بين القوى الإقليمية حول ملفات المغرب والصحراء الغربية وليبيا والساحل والقضية الفلسطينية.
وفي المقابل، فإن إعلان أبوظبي أملها في أن يكون القرار مؤقتًا يترك الباب، نظريًا على الأقل، أمام احتمال إعادة فتح قنوات الاتصال مستقبلًا.
نسيمة شرلاح.
