محمد عرقاب يستعرض حصيلة قطاع المحروقات وآفاق تطويره أمام لجنة المالية والميزانية
استثمارات بـ71.6 مليار دولار في أفق تطوير المحروقات، ورفع الإنتاج الأولي إلى 201 مليون طن مكافئ نفط بحلول 2030

قدّم وزير الدولة، وزير المحروقات، محمد عرقاب، يوم السبت 17 أكتوبر 2026، عرضًا أمام لجنة المالية والميزانية بالمجلس الشعبي الوطني، خُصّص لاستعراض حصيلة نشاط قطاع المحروقات خلال سنة 2026، وبرنامج تطويره وآفاقه الاستراتيجية، إلى جانب مشروع ميزانيته لسنة 2027، وذلك في إطار دراسة مشروع قانون المالية للسنة المقبلة.
وجرت أشغال العرض بحضور وزيرة العلاقات مع البرلمان، نجيبة جيلالي، ورئيس لجنة المالية والميزانية، عبد الحفيظ بريمة، إلى جانب عدد من نواب المجلس الشعبي الوطني وإطارات وزارة المحروقات.
صادرات المحروقات تتجاوز 37 مليار دولار
في مستهل عرضه، أكد عرقاب أن إعداد مشروع الميزانية القطاعية لسنة 2027 يأتي في سياق دولي يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية، وما تفرضه من تحديات على أسواق النفط والغاز وأمن الإمدادات، مبرزًا مكانة الجزائر كمورد موثوق للغاز الطبيعي، لاسيما في السوق الأوروبية، في ظل تجديد وتوقيع عقود توريد طويلة الأجل مع عدد من الشركاء، من بينهم إيطاليا وإسبانيا وسلوفينيا والتشيك وألمانيا.
وعلى الصعيد الوطني، سجل القطاع 17 اكتشافًا جديدًا للمحروقات بجهد سوناطراك الخاص خلال سنة 2026، إلى جانب ارتفاع الإنتاج الأولي للمحروقات.
وبلغت إيرادات الدولة من صادرات المحروقات 37.5 مليار دولار إلى غاية نهاية سبتمبر 2026، مدعومة بارتفاع متوسط سعر البترول الخام الجزائري بنسبة 37 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، ليصل إلى نحو 97 دولارًا للبرميل، فيما بلغ متوسط سعر الغاز الجزائري المسوّق نحو 11.3 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
كما بلغت إيرادات الجباية البترولية 2.841 مليار دينار، بما يعادل نحو 105 بالمائة من التقديرات المدرجة في قانون المالية لسنة 2026، والمقدرة بـ2.698 مليار دينار.
وفي المقابل، بلغ الاستهلاك الوطني من المواد الطاقوية نحو 59 مليون طن مكافئ نفط، مدفوعًا أساسًا بارتفاع الطلب على الغاز، وبدرجة أقل على المواد البترولية، لاسيما خلال موجة الحر والحرائق التي شهدتها البلاد خلال الصائفة الماضية.
استثمارات بـ71.6 مليار دولار لتطوير القطاع
وفي ما يتعلق بالآفاق الاستراتيجية، أوضح وزير الدولة، وزير المحروقات، أن القطاع يستهدف رفع الإنتاج الأولي للمحروقات إلى نحو 201 مليون طن مكافئ نفط بحلول سنة 2030، مع زيادة نسبة تحويل المحروقات وتثمينها إلى أكثر من 50 بالمائة من الإنتاج الأولي، مقابل نحو 30 بالمائة حاليًا.
ولتحقيق هذه الأهداف، خُصص غلاف استثماري يقدر بنحو 71.6 مليار دولار لتطوير نشاط المحروقات، منها 52 مليار دولار لنشاط المنبع، ونحو 13 مليار دولار لمشاريع التكرير والصناعات البتروكيميائية.
وتشمل المشاريع المبرمجة إنجاز مصفاة حاسي مسعود الجديدة، ووحدة إنتاج ميثيل ثلاثي بوتيل الإيثر (MTBE) بأرزيو، ووحدة إنتاج الألكيل بنزين الخطي (LAB) بسكيكدة، إلى جانب مجمع إنتاج البولي بروبيلين (PDH-PP) بأرزيو، ومشروع مماثل بتركيا.
وتندرج هذه المشاريع ضمن مساعي تعزيز القدرات الوطنية في مجال تحويل المحروقات، ورفع القيمة المضافة للموارد الطبيعية، وتطوير الصناعات التحويلية وتقليص الاعتماد على تصدير المواد الخام.
مشروع الفوسفات المدمج لتعزيز الأمن الغذائي وتنويع الصادرات
وتطرق العرض كذلك إلى مشروع الفوسفات المدمج ببلاد الحدبة بولاية تبسة ووادي الكبريت بولاية سوق أهراس، الذي يشهد تقدمًا في تجسيد مكوناته، مع انطلاق الدراسات الهندسية التفصيلية ومواصلة تطوير منشآت التخصيب والتحويل الكيميائي والبنى التحتية للنقل والمنشآت المرفئية.
ويستهدف المشروع استخراج 10.5 ملايين طن سنويًا من الفوسفات الخام، وإنتاج 5.5 ملايين طن من الفوسفات المخصب القابل للتسويق، مع توجيه نحو 3.2 ملايين طن سنويًا من الفوسفات المركز إلى مركب التحويل الكيميائي.
كما يرتقب أن ينتج مركب وادي الكبريت، في مرحلته الأولى، 2.4 مليون طن سنويًا من الأسمدة الفوسفاتية و570 ألف طن من الأسمدة الآزوتية.
ويعتمد المشروع على منظومة صناعية ولوجستية متكاملة تربط منجم بلاد الحدبة بمركب التحويل الكيميائي بوادي الكبريت، عبر شبكة السكك الحديدية والمنشآت المرفئية بميناء عنابة، بما يدعم تثمين الموارد المنجمية الوطنية، ويعزز الأمن الغذائي، ويوفر فرص عمل جديدة، ويسهم في تنويع الصادرات الجزائرية.
ست محطات جديدة لتحلية مياه البحر في أفق 2030
وفي مجال الأمن المائي، أعلن العرض عن برنامج لإنجاز ست محطات جديدة لتحلية مياه البحر بحلول سنة 2030، بطاقة إنتاجية إجمالية تقدر بـ1.8 مليون متر مكعب يوميًا، تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية، بما يسمح برفع نسبة تغطية الطلب الوطني على مياه الشرب بواسطة التحلية إلى نحو 60 بالمائة.
وفي هذا الإطار، أشار الوزير إلى أن الجزائر تستغل حاليًا 19 محطة لتحلية مياه البحر، بطاقة إجمالية تفوق 3.8 ملايين متر مكعب يوميًا، تغطي نحو 42 بالمائة من الطلب الوطني على مياه الشرب، فيما ارتفع إجمالي إنتاج المحطات المستغلة إلى نهاية سبتمبر 2026 بنسبة 26 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
وتعكس هذه البرامج اتساع دور قطاع المحروقات ليشمل دعم الأمن المائي، إلى جانب مهامه المرتبطة بإنتاج الطاقة وتطوير الصناعات التحويلية.
جولة دولية لاستقطاب الاستثمارات والشراكات
وفي سياق تعزيز جاذبية القطاع، تواصل الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات «ألنفط» تنفيذ جولة العطاءات الدولية «Algeria Bid Round 2026»، التي تشمل سبع رقع استكشافية موزعة على ولايات ورقلة وإليزي وتوقرت والبيض.
وحسب المعطيات المقدمة، أبدت قرابة 60 شركة اهتمامها بالمشاركة في هذه الجولة، فيما استوفت 21 شركة شروط الولوج إلى حزم البيانات التقنية وغرف البيانات الافتراضية المتاحة منذ الفاتح من جوان 2026.
كما تواصل سوناطراك تطوير شراكاتها الدولية في إطار القانون رقم 19-13 المتعلق بنشاطات المحروقات، من خلال التعاون مع شركات طاقوية دولية، من بينها «إيني» الإيطالية، و«برتامينا» الإندونيسية، و«ريبسول» الإسبانية، و«سينوبك» الصينية، و«أوكسيدنتال بتروليوم» الأمريكية.
وفي إطار توسيع حضورها الدولي وتعزيز قدراتها العملياتية، تم توقيع عقد للحفر بين الشركة الفرعية لسوناطراك «إنافور» والشركة النيجيرية «سيبكس».
أما بخصوص مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP)، الرابط بين نيجيريا والجزائر عبر النيجر، فأكد الوزير استئناف المفاوضات وفق الجدول الزمني المقرر، وانطلاق أشغال إنجاز الشطر الجزائري بولاية أدرار يوم 4 جوان 2026، تنفيذًا لمخرجات الاجتماع الوزاري الخامس المنعقد بالجزائر العاصمة يوم 3 جوان من السنة نفسها.
ويمثل المشروع أحد محاور التعاون الطاقوي الإقليمي، بالنظر إلى ما يتيحه من آفاق لتعزيز الربط بين الدول المعنية وتطوير قدرات نقل الغاز نحو الأسواق المستهدفة.
خفض الانبعاثات وتعزيز الاستدامة البيئية
وفي الجانب البيئي، أبرز عرقاب مواصلة الجهود الرامية إلى خفض البصمة الكربونية لقطاع المحروقات، حيث تعمل سوناطراك على تقليص حجم الغاز المحترق إلى أقل من 1 بالمائة بحلول سنة 2030، والتخلص من الحرق الروتيني، والوصول إلى مستويات شبه منعدمة من انبعاثات غاز الميثان المرتبطة بنشاطها.
كما تطرق إلى مشروع إعادة التشجير الذي تعتزم سوناطراك تجسيده على مساحة 520 ألف هكتار على مدى عشر سنوات، باستثمار يفوق مليار دولار، في خطوة تستهدف تعزيز الغطاء النباتي ودعم التنمية الاجتماعية والاقتصادية وخلق فرص عمل عبر مختلف مناطق الوطن.
وتندرج هذه التدابير ضمن التوجه نحو التوفيق بين تطوير النشاط الطاقوي ومتطلبات حماية البيئة، وتحسين الأداء البيئي للصناعات المرتبطة بالمحروقات.
الرقمنة والتكوين في صلب تحديث القطاع
وفي ما يتعلق بتنمية الموارد البشرية، أكد الوزير أهمية البرامج التدريبية المتخصصة التي تطورها سوناطراك لتأهيل العاملين وتعزيز مهاراتهم، إلى جانب توسيع التعاون مع الجامعات لتطوير برامج تكوين تتماشى مع احتياجات القطاع وتطوراته التقنية.
كما يعمل القطاع على تسريع تطوير الأنظمة المعلوماتية المتكاملة (ERP) على مستوى المؤسسات والهيئات التابعة له، بهدف تحسين الإنتاجية والأداء، وترشيد تكاليف التسيير والتشغيل، وتعزيز التنسيق وتسريع اتخاذ القرار ودعم أمن المنشآت.
وتتواصل كذلك عملية تحديث المنصة الرقمية «تصاريح» في إصدارها الثاني (2.0)، المخصصة لاستخراج التراخيص والتصاريح المتعلقة باستيراد وتصدير المواد الحساسة، بما يسمح بتبسيط الإجراءات الإدارية وتحسين الخدمات المقدمة للمتعاملين الاقتصاديين.
وعلى الصعيد الدولي، شدد الوزير على أهمية مشاركة الجزائر في الاجتماعات والتظاهرات متعددة الأطراف، لاسيما ضمن منظمة أوبك وتحالف أوبك+ ومنتدى الدول المصدرة للغاز والمنتدى الدولي للطاقة، بما يدعم التنسيق بين الدول المنتجة ويسهم في استقرار أسواق الطاقة وحماية المصالح المشتركة.
ميزانية 2027: 2.652 مليار دينار للجباية البترولية
وفي ختام عرضه، استعرض وزير الدولة، وزير المحروقات، المؤشرات المالية الرئيسية لمشروع ميزانية القطاع لسنة 2027، التي تتضمن تقديرات للجباية البترولية بقيمة 2.652 مليار دينار، على أساس سعر مرجعي للنفط يقدر بـ60 دولارًا للبرميل.
كما تقدر الميزانية القطاعية بنحو 63 مليار دينار، تخصص أساسًا لبرنامج دعم سعر تحلية مياه البحر، إلى جانب الاعتمادات الموجهة لتسيير الإدارة العامة للقطاع.
وتعكس هذه التقديرات توجهًا نحو مواصلة تمويل البرامج المرتبطة بتطوير المحروقات وتعزيز قدرات الإنتاج والتحويل، مع مراعاة المتطلبات المالية المرتبطة بالأمن المائي وتسيير المرافق التابعة للقطاع.
وعلى ضوء المؤشرات والبرامج المعروضة، تتجه استراتيجية قطاع المحروقات نحو الجمع بين تعزيز الاستكشاف والإنتاج، وتوسيع الصناعات التحويلية، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتطوير الشراكات الدولية، ودعم الأمن المائي، وخفض الانبعاثات، وتحديث التسيير والرقمنة، في إطار الأهداف المسطرة لآفاق سنة 2030.
وفي سياق إحياء الذاكرة الوطنية، شارك وزير الدولة، وزير المحروقات، في وقفة ترحم وإحياء لليوم الوطني للهجرة، تخليدًا للذكرى الخامسة والستين لمظاهرات 17 أكتوبر 1961، التي ترأستها رئيسة المجلس الشعبي الوطني، خليدة بوفدش، بحضور وزيرة العلاقات مع البرلمان وعدد من نواب المجلس الشعبي الوطني.
نسيمة شرلاح
