“سينا باريس” في طبعته الخامسة.. من عرض المشاريع العقارية إلى صناعة الثقة واستشراف مستقبل العمران الجزائري

بعد خمس سنوات، لم يعد صالون «سينا باريس» مجرد موعد للتعريف بالمشاريع العقارية الجزائرية في الخارج، بل أصبح يتجه نحو ترسيخ مكانته فضاءً للقاء الاستثماري، وتبادل الخبرات، ومناقشة جودة السكن والهندسة المعمارية والتخطيط العمراني، بما يعزز جسور التواصل بين الجزائر وجاليتها في أوروبا والكفاءات الجزائرية المنتشرة دوليًا.
إعداد وحوار: الإعلامية نسيمة شرلاح
في هذا الحوار الخاص مع مدير ومنظم المعرض الدولي للعقار الجزائري (SINA PARIS) سفيان وهاب، يقترب موقع «دينا براس»، من رؤية القائمين على الصالون، ويستكشف رهانات هذه الطبعة وأبعادها الاقتصادية والمهنية، ودورها في تعزيز ثقة الجالية الجزائرية بالسوق العقارية الوطنية، وإرساء مقاربة حديثة تجعل من جودة المشروع وشفافية المعاملة واستدامة العمران معايير أساسية في صناعة المستقبل العقاري للجزائر.
خمس طبعات من «سينا باريس».. ماذا تعني لكم هذه المحطة، وما أبرز الإضافات التي تحملها الطبعة الخامسة؟
بدايةً، أتوجه بجزيل الشكر إلى طاقم جريدة «دينا براس» على تنقله إلى باريس، وعلى مواكبته المستمرة لصالون «سينا باريس» عبر مختلف طبعاته. ويسعدنا أن نجدد هذا اللقاء، مثمنين هذه العلاقة المهنية القائمة على الثقة والاستمرارية والاهتمام بالإعلام المتخصص.
بالنسبة إلينا، لا تمثل الطبعة الخامسة مجرد محطة رقمية، بل هي حصيلة خمس سنوات من العمل المتواصل وبناء الثقة مع العارضين والزوار وأفراد الجالية الجزائرية في الخارج. إنها مرحلة نطمح من خلالها إلى الانتقال بالصالون من فضاء لعرض المشاريع العقارية إلى منصة أكثر نضجًا، تجمع بين الاستثمار والهندسة المعمارية والتخطيط العمراني وتبادل الخبرات.
أما أبرز الإضافات، فتتمثل في منح المحتوى المهني والمعرفي مساحة أكبر، من خلال تنظيم ندوات متخصصة بمشاركة معماريين وخبراء ومهنيين من الجزائر ومن الكفاءات المقيمة بالخارج، لمناقشة قضايا ترتبط بجودة المشاريع، والبيع على التصاميم، والسكن داخل المدينة، والعقار الراقي، وإدارة المشروع من مرحلة التصور إلى غاية التسليم.
نريد للزائر أن يجد أمامه خيارات عقارية متنوعة، وأن يغادر أيضًا بمعرفة أعمق تساعده على فهم السوق، وتقييم المشاريع، واتخاذ قرارات أكثر وعيًا. فطموحنا أن تكون القيمة المضافة للصالون في جودة ما يقدمه من فرص ومعلومات، وليس فقط في عدد المشاريع المعروضة.
«طموحنا أن تكون القيمة المضافة للصالون في جودة ما يقدمه من فرص ومعلومات، وليس فقط في عدد المشاريع المعروضة».
هل يقتصر دور «سينا باريس» على الترويج للعروض العقارية، أم أنكم تسعون إلى بناء منظومة مهنية متكاملة؟
العرض العقاري عنصر أساسي في هوية الصالون، لكنه ليس غايته الوحيدة. نحن ننظر إلى العقار باعتباره منظومة متكاملة تتداخل فيها أدوار المستثمر والمرقي العقاري والمشتري والمهندس المعماري والموثق ومكاتب الدراسات والمتخصصين في إدارة الأصول والتخطيط العمراني.
ومن هذا المنطلق، نسعى إلى جعل «سينا باريس» فضاءً للقاء المباشر بين مختلف هذه الأطراف، وتبادل الخبرات، وطرح الأسئلة المهنية التي لا تحظى دائمًا بالاهتمام الكافي ضمن الخطاب التجاري التقليدي.

فنجاح أي معرض لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد العارضين أو المشاريع التي يقدمها، بل أيضًا بجودة العلاقات التي ينسجها، والشراكات التي يفتح آفاقها، والأفكار التي يساهم في تطويرها.
نحن نريد أن يتحول الصالون تدريجيًا إلى منصة تفاعلية تجمع بين العرض والمعلومة والخبرة، وتمنح العقار الجزائري فرصة أكبر للتعريف بإمكاناته، مع تعزيز ثقافة الجودة والشفافية والمسؤولية المهنية.
«نحن نريد أن يتحول الصالون تدريجيًا إلى منصة تفاعلية تجمع بين العرض والمعلومة والخبرة، وتمنح العقار الجزائري فرصة أكبر للتعريف بإمكاناته».
كيف يستجيب الصالون لتطلعات الجالية الجزائرية في فرنسا، التي تنظر إلى العقار في الجزائر من زاويتين، استثمارية وعائلية؟
الجالية الجزائرية لا تنظر إلى العقار في الجزائر باعتباره استثمارًا ماليًا فحسب؛ ففي كثير من الحالات، يرتبط قرار الشراء بالأسرة والاستقرار المستقبلي، والرغبة في امتلاك منزل في الوطن، أو توفير أصل عقاري للأبناء، والحفاظ على صلة ملموسة بالجزائر.
وهذا ما يجعلنا نولي أهمية خاصة لتقريب المسافة بين المشتري المقيم بالخارج والمشروع الموجود في الجزائر. فمن خلال ثلاثة أيام من اللقاءات المباشرة، يمكن للزائر أن يتواصل مع المرقيين العقاريين، ويقارن بين المشاريع، ويستفسر عن الأسعار والمواقع وآجال الإنجاز والمواصفات والضمانات والخدمات المرتبطة بالعقار.
لكن الأهم من ذلك هو توفير بيئة تساعد على الحوار المباشر وتوضيح المعلومات، بما يسمح للمشتري بتكوين صورة أكثر شمولًا عن المشروع قبل اتخاذ قراره.
نحن ندرك أن المسافة الجغرافية قد تجعل التحقق من التفاصيل أكثر صعوبة، ولذلك نريد أن يسهم الصالون في تحويل العلاقة عن بُعد إلى علاقة تقوم على التواصل المباشر والمعلومة الواضحة والثقة المتبادلة.
«نريد أن يسهم الصالون في تحويل العلاقة عن بُعد إلى علاقة تقوم على التواصل المباشر والمعلومة الواضحة والثقة المتبادلة».
ما النصيحة التي توجهونها إلى أفراد الجالية الجزائرية قبل اتخاذ قرار شراء عقار في الجزائر؟
رسالتي الأساسية هي: لا تجعلوا جاذبية الصورة أو قوة الخطاب التجاري تحل محل التحقق والدراسة.
شراء العقار قرار مالي مهم، وقد تكون له تبعات قانونية وعائلية طويلة الأمد؛ لذلك ينبغي التحقق من الوضعية القانونية للمشروع، وصفة المرقي العقاري، وملكية الأرض، ورخصة البناء، والضمانات، وطبيعة العقد، وجدول الدفع، والمواصفات التقنية، وتاريخ التسليم، وكيفية تسيير الإقامة بعد إنجازها.

وعندما يكون المشتري مقيمًا في الخارج والعقار موجودًا في الجزائر، تزداد أهمية فهم الإطار القانوني المنظم للعملية، والتمييز بين مكان تسويق المشروع والقانون الذي يحكم ملكيته والتعاقد بشأنه. ومن الأفضل الاستعانة بموثق أو مستشار قانوني وتقني مؤهل عند الحاجة.
كما ينبغي التمييز بين دور الصالون بوصفه فضاءً للتواصل وعرض المشاريع وتبادل المعلومات، وبين الدور المهني للجهات المختصة بالتحقق من العقود والحقوق والالتزامات.
وفي هذا السياق، نؤكد أهمية احترام التشريعات المتعلقة بالإعلام التجاري وحماية المستهلك. كما يتعين الانتباه إلى أن بعض العقود المبرمة داخل المعارض تخضع لقواعد خاصة بشأن حق التراجع، ولا يجوز افتراض وجود هذا الحق تلقائيًا لمجرد أن الشراء تم خلال معرض.
نحن نشجع الزائر على الاستفسار، وطلب الوثائق، ومقارنة الخيارات، وفهم الالتزامات قبل التوقيع. فالتسرع قد يكلف كثيرًا، بينما تحمي المعرفة المسبقة المشتري وتمنحه قدرة أكبر على اتخاذ القرار المناسب.
«لا تجعلوا جاذبية الصورة أو قوة الخطاب التجاري تحل محل التحقق والدراسة».
خصصتم محورًا للبيع على التصاميم. لماذا يحظى هذا الموضوع بهذه الأهمية، خصوصًا بالنسبة إلى المشتري المقيم بالخارج؟
البيع على التصاميم من الآليات المهمة في الترقية العقارية الحديثة، لأنه يسمح للمشتري بالتعاقد على عقار قبل اكتمال إنجازه، لكنه في المقابل يتطلب فهمًا دقيقًا لطبيعته القانونية والتقنية والمالية.
في الجزائر، وضع القانون رقم 11-04 المؤرخ في 17 فبراير 2011، المحدد للقواعد التي تنظم نشاط الترقية العقارية، إطارًا قانونيًا لهذا النشاط، بما يشمل الأحكام المرتبطة بالبيع على التصاميم، إلى جانب النصوص التنظيمية ذات الصلة.
ومن المسائل الأساسية التي ينبغي للمشتري فهمها طبيعة العقد الرسمي، والبيانات المتعلقة بأصل ملكية الأرض ورخصة البناء، والمواصفات التقنية للعقار، والسعر، وجدول الدفع، والضمانات القانونية، والآجال التعاقدية للتسليم.

كما أن احترام الشروط القانونية المتعلقة بتحصيل الدفعات والضمانات والتزامات المرقي العقاري يمثل عنصرًا جوهريًا في حماية حقوق الأطراف.
بالنسبة إلى المشتري المقيم بالخارج، تكتسب هذه المسائل أهمية إضافية، لأنه قد لا يتمكن من متابعة تقدم الأشغال ميدانيًا بصورة منتظمة. ولذلك، فإن فهم الوثائق والعقد وآليات المتابعة ليس تفصيلًا ثانويًا، بل جزء أساسي من قرار الشراء.
نريد أن نوضح أن البيع على التصاميم ليس مجرد حجز شقة بناءً على رسم هندسي، بل هو التزام تعاقدي تحكمه شروط وحقوق وواجبات وضمانات ينبغي فهمها قبل التوقيع.
«البيع على التصاميم ليس مجرد حجز شقة بناءً على رسم هندسي، بل هو التزام تعاقدي تحكمه شروط وحقوق وواجبات وضمانات ينبغي فهمها قبل التوقيع».
لماذا وسّعتم النقاش ليشمل المدينة والهشاشة الحضرية؟ وما علاقة ذلك بمعرض عقاري؟
لأن العقار لا ينتهي عند باب الشقة، ولأن جودة السكن لا تُختزل في مساحة الوحدة السكنية أو جمال الواجهة الخارجية.
قد يكون المبنى جيدًا من الناحية المعمارية، لكن نجاحه يظل محدودًا إذا كان منفصلًا عن النقل والخدمات الأساسية والمساحات العامة والمرافق التعليمية والصحية والبيئة المحيطة. فالمشروع العقاري الناجح هو الذي يراعي احتياجات السكان، ويسهم في توفير إطار حياة متوازن.
ومن هنا تأتي أهمية مناقشة موضوعات مثل السكن داخل المدينة والهشاشة الحضرية وإعادة تأهيل الأحياء، لأنها تفتح المجال أمام أسئلة استراتيجية: كيف نبني أحياء قابلة للعيش؟ وكيف نعيد تأهيل النسيج العمراني القائم بدلًا من الاعتماد على التوسع المستمر؟ وكيف يمكن للمشاريع العقارية أن تسهم في تحسين المدن بدلًا من أن تتحول إلى وحدات منفصلة عن محيطها؟
نحن نريد توسيع النظرة إلى العقار، من منتج تجاري يُباع ويُشترى إلى مكوّن أساسي في التنمية الحضرية وجودة الحياة.
«العقار لا ينتهي عند باب الشقة، وجودة السكن لا تُختزل في مساحة الوحدة السكنية أو جمال الواجهة الخارجية».
إلى أي مدى يمكن للهندسة المعمارية والتخطيط العمراني أن يساهما في الارتقاء بجودة العقار الجزائري؟
الهندسة المعمارية ليست مجرد تصميم لواجهة جميلة، بل هي عملية متكاملة تبدأ بفهم احتياجات المستخدمين، وطبيعة الموقع، والمناخ، والإضاءة، والتهوية، والحركة، والخصوصية، وكفاءة استهلاك الطاقة، والعلاقة بين المبنى ومحيطه الحضري.
وفي التجارب العمرانية الحديثة، لم تعد جودة المشروع تُقاس فقط بالمظهر الخارجي، بل تشمل أيضًا كفاءة توزيع المساحات، وجودة المواد، والراحة الحرارية، والإنارة الطبيعية، والمساحات المشتركة، والمرونة في الاستعمال، وسهولة الصيانة وإدارة المبنى بعد التسليم.
وبالنسبة إلى الجزائر، فإن تطوير القطاع العقاري يتطلب تعزيز التكامل بين الرؤية الاستثمارية والخبرة المعمارية والتخطيط العمراني منذ المراحل الأولى للمشروع، بدلًا من التعامل مع التصميم باعتباره خطوة لاحقة لقرارات اتُّخذت مسبقًا.
كما أن الاستثمار في التصميم الجيد يمكن أن ينعكس إيجابًا على العمر الافتراضي للمبنى، وتكاليف تشغيله وصيانته، وراحة سكانه، وقيمته على المدى الطويل.
لذلك، نرى أن الارتقاء بالعقار الجزائري لا يتعلق بزيادة حجم العرض فقط، بل بتحسين نوعيته، وتعزيز الانسجام بين المباني والمدينة، والاستفادة من الخبرات المتخصصة في مختلف مراحل الإنجاز.
«الارتقاء بالعقار الجزائري لا يتعلق بزيادة حجم العرض فقط، بل بتحسين نوعيته، وتعزيز الانسجام بين المباني والمدينة».
يشهد مفهوم العقار الفاخر حضورًا متزايدًا في الخطاب التسويقي. كيف تميزون بين الفخامة الحقيقية والتسمية التجارية؟
العقار الفاخر لا يُختزل في ارتفاع السعر أو استخدام مواد باهظة التكلفة. فالفخامة الحقيقية تقوم على منظومة من المعايير المتكاملة، تشمل الموقع، وجودة التصميم، وخصوصية المشروع، ومستوى التنفيذ، والخدمات، وكفاءة التسيير، والحفاظ على قيمة الأصل بمرور الزمن.
وفي الأسواق الدولية، أصبح المشترون أكثر اهتمامًا بالتجربة السكنية المتكاملة: جودة المساحات، والراحة، والأمن، وكفاءة الطاقة، والخدمات المشتركة، ومستوى الصيانة، ومدى توافق العقار مع احتياجاتهم الفعلية.
كما أن السوق الجزائرية تعرف تطورًا في تطلعات فئات من المشترين الذين يبحثون عن منتجات عقارية أكثر اكتمالًا، تتجاوز توفير المساحة السكنية إلى تقديم مستوى نوعي من الراحة والخدمات والتصميم.
لكننا نرى أن استعمال وصف «فاخر» ينبغي أن يكون مدعومًا بجودة حقيقية ومعايير قابلة للتقييم، لا أن يبقى مجرد عبارة تسويقية جذابة، كما يحدث أحيانًا في بعض الحملات الترويجية، خصوصًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
ومن هنا تأتي أهمية النقاش المهني حول العقار الراقي، للمساهمة في توضيح معاييره، وتعزيز وعي المشتري، وتشجيع السوق على المنافسة على أساس الجودة الفعلية.
«الفخامة الحقيقية تقوم على منظومة من المعايير المتكاملة، ولا ينبغي أن يبقى وصف “فاخر” مجرد عبارة تسويقية جذابة».
كيف يمكن ضمان جودة المشروع العقاري من مرحلة الفكرة إلى تسليم المفاتيح؟ وما دور المعماري ومرافقة صاحب المشروع؟
المشروع العقاري سلسلة مترابطة من القرارات الفنية والمالية والتنظيمية، تبدأ بتحديد الاحتياجات والتصور الأولي، وتمر بالدراسات والتصميم والإنجاز ومراقبة الجودة، وصولًا إلى التسليم والاستغلال.
وأي خلل في تحديد المتطلبات أو إعداد المواصفات أو التنسيق بين المتدخلين قد يؤدي إلى تأخر الإنجاز، أو ارتفاع التكاليف، أو اختلاف النتيجة النهائية عن مستوى الجودة المعلن.

هنا تبرز أهمية دور المهندس المعماري في ضمان التماسك المعماري والتقني للتصميم، إلى جانب أهمية مرافقة صاحب المشروع في تحديد احتياجاته، وضبط القرارات والميزانية والجدول الزمني، ومتابعة المخاطر والتنسيق بين مختلف المتدخلين، وفق طبيعة المهام المتفق عليها.
كما أن اعتماد أدوات واضحة للمتابعة والتوثيق يساعد على الإجابة عن أسئلة أساسية: ما الذي تم الاتفاق عليه؟ وما الذي صُمم؟ وما الذي نُفذ فعليًا؟ وهل يتطابق المنجز مع المواصفات والالتزامات التعاقدية؟
إن وضوح المسؤوليات، وجودة التنسيق، والمتابعة المهنية، واحترام المواصفات، كلها عناصر تسهم في تقليص المخاطر وتعزيز الثقة بين مختلف الأطراف.
وفي نهاية المطاف، لا تُبنى الثقة بالوعود وحدها، بل بمدى تطابق ما يُعلن عنه مع ما يُنجز ويُسلّم على أرض الواقع.
«لا تُبنى الثقة بالوعود وحدها، بل بمدى تطابق ما يُعلن عنه مع ما يُنجز ويُسلّم على أرض الواقع».
ما القيمة المضافة التي تنتظرونها من جمع المطورين العقاريين والمعماريين والخبراء والمشترين في فضاء واحد؟
تكمن القيمة الحقيقية في تنوع الرؤى والخبرات. فالمطور العقاري ينظر إلى قابلية المشروع للإنجاز والتمويل والتسويق، بينما يركز المعماري على جودة الفضاء والتصميم، وينظر المخطط العمراني إلى علاقة المشروع بالمدينة، في حين يهتم المشتري بالاستعمال والقيمة والضمانات وتكاليف التسيير.
عندما تلتقي هذه الرؤى، يصبح النقاش أكثر عمقًا وواقعية، وتظهر فرص للتعاون وتبادل المعرفة قد لا تتاح في الظروف العادية.
نطمح إلى ألا تنتهي الندوات بانتهاء المداخلات، بل أن تتحول إلى فرص لربط المهنيين بعضهم ببعض، وبناء علاقات تعاون بين المعماريين والمرقين العقاريين، وبين الخبرات الجزائرية المقيمة بالخارج وأصحاب المشاريع في الجزائر، وبين مختلف الفاعلين الذين يجمعهم الاهتمام بتطوير القطاع.
إننا نؤمن بأن الاستثمار في اللقاءات المهنية وتبادل الخبرات لا يقل أهمية عن عرض المشاريع نفسها، لأنه يساهم في بناء شبكة علاقات قادرة على إنتاج أفكار ومبادرات ذات أثر مستدام.
«الاستثمار في اللقاءات المهنية وتبادل الخبرات لا يقل أهمية عن عرض المشاريع نفسها».
هل يمكن لـ«سينا باريس» أن يتحول إلى جسر فعلي لربط الكفاءات الجزائرية بالخارج بالمشاريع الوطنية؟
بالتأكيد، وهذا أحد المسارات التي نريد تعزيزها في تطوير الصالون.
توجد في الخارج كفاءات جزائرية تعمل في الهندسة المعمارية والعقار والهندسة والتمويل وإدارة المشاريع والتكنولوجيا، واكتسبت خبرات مهنية ضمن بيئات دولية متنوعة. وفي المقابل، توجد في الجزائر مشاريع ومؤسسات وفاعلون يمكنهم الاستفادة من هذه الخبرات لتطوير أساليب العمل، وتحسين جودة الإنجاز، وتعزيز القدرة التنافسية.
يمكن لـ«سينا باريس» أن يشكل نقطة التقاء بين الطرفين، من خلال تسهيل التواصل المباشر، وفتح المجال أمام تبادل التجارب، واستكشاف فرص الشراكة ونقل المعرفة.
لكن الهدف ليس استنساخ نموذج أجنبي أو نقله بصورة حرفية إلى الجزائر، بل الاستفادة من الممارسات والخبرات الدولية وتكييفها مع الخصوصيات القانونية والاقتصادية والاجتماعية والعمرانية الوطنية.
كما أن هذه المنصة تمنح الكفاءات الجزائرية في الخارج فرصة للمساهمة في تنمية بلدها، وتتيح للفاعلين في الجزائر الانفتاح على شبكات مهنية أوسع.
ونحن نرى في هذا التقاطع بين الكفاءة الوطنية والخبرة الدولية فرصة حقيقية لتعزيز جودة المشاريع العقارية، وتطوير الممارسات المهنية، وفتح آفاق جديدة للتعاون.
«الهدف ليس استنساخ نموذج أجنبي أو نقله بصورة حرفية إلى الجزائر، بل الاستفادة من الممارسات والخبرات الدولية وتكييفها مع الخصوصيات الوطنية».
ما آفاق تطوير «سينا» خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع التوجه نحو مونتريال ولندن؟
نعمل على ثلاثة محاور أساسية لتطوير الصالون.
المحور الأول هو التوسع الدولي، من خلال تعزيز الحضور في أوساط الجالية الجزائرية بالخارج، وفتح آفاق لتنظيم معارض ولقاءات في مدن أخرى، خصوصًا مونتريال ولندن خلال سنة 2027، وفق البرامج والترتيبات المعتمدة.
أما المحور الثاني، فيتمثل في الارتقاء بالمحتوى المهني، عبر تنظيم مؤتمرات أكثر تخصصًا، وتطوير لقاءات الأعمال الثنائية (B2B)، وتوسيع النقاش ليشمل الاستثمار والهندسة المعمارية والتخطيط العمراني وإدارة الأصول العقارية وتمويل المشاريع.
أما المحور الثالث، فيتعلق باستمرارية العلاقة بين العارض والزائر بعد انتهاء أيام المعرض. فالمعارض الحديثة لم تعد مجرد فضاءات مؤقتة تُفتح أبوابها لبضعة أيام ثم تنتهي مهمتها، بل أصبحت جزءًا من منظومة علاقات مهنية واقتصادية يمكن أن تستمر على مدار السنة.
ونطمح إلى تطوير أدوات تتيح متابعة الاتصالات والفرص والشراكات التي تنشأ خلال الصالون، بما يساعد على تحويل اللقاءات الأولية إلى مسارات تعاون أكثر تنظيمًا واستمرارية.
إن طموحنا هو بناء نموذج متطور يجمع بين الحضور الميداني والتواصل المهني المستمر، ويمنح «سينا» قدرة أكبر على خلق القيمة للعارضين والزوار والشركاء.
«المعارض الحديثة لم تعد مجرد فضاءات مؤقتة تُفتح أبوابها لبضعة أيام ثم تنتهي مهمتها، بل أصبحت جزءًا من منظومة علاقات مهنية واقتصادية يمكن أن تستمر على مدار السنة».
ما رسالتكم إلى الجالية الجزائرية والمهنيين العقاريين؟ وكيف تريدون أن يتذكر الجمهور الطبعة الخامسة من «سينا باريس»؟
رسالتي إلى أفراد الجالية الجزائرية هي أن يأتوا إلى «سينا باريس» بحثًا عن المعلومة الموثوقة، والمقارنة الواعية، والفهم الأفضل للسوق، وليس فقط بحثًا عن شقة أو فرصة شراء.
خذوا الوقت الكافي لطرح الأسئلة، واطلبوا الوثائق، وقارنوا بين المشاريع، وتحققوا من الضمانات والالتزامات، ولا تتخذوا قرارًا مهمًا قبل فهم أبعاده القانونية والمالية والتقنية.
أما إلى المهنيين والفاعلين في القطاع العقاري، فأقول إن مستقبل العقار الجزائري الحديث لن يُبنى بعدد الوحدات المنجزة وحده، بل بجودة ما نبنيه، وشفافية ما نقدمه، والثقة التي نرسخها، وقدرتنا على التفكير في السكن والمدينة معًا منذ بداية المشروع.
نريد أن تترك الطبعة الخامسة انطباعًا يتجاوز نجاح التنظيم وحجم المشاركة، وأن تؤكد أن العقار مجال للابتكار والاستثمار المسؤول والتعاون المهني، وأن الجودة ليست عنصرًا إضافيًا في المشروع، بل شرطًا أساسيًا لاستدامته.

وبعد خمس طبعات، نطمح إلى مواصلة تطوير «سينا باريس» بوصفه جسرًا يربط الجزائر بجاليتها في أوروبا، ويجمع بين المشروع العقاري والخبرة، وبين الرغبة في الاستثمار والقرار المبني على المعرفة.
كما نطمح إلى أن تشكل مواعيد «سينا باريس» واللقاءات المرتقبة في لندن ومونتريال فضاءات للتواصل وتبادل التجارب واستكشاف الفرص، بما يعزز حضور العقار الجزائري في محيطه الدولي.
فبالنسبة إلينا، لا يتعلق الأمر فقط بعرض العقار، بل ببناء الثقة حوله، ولا يقتصر الطموح على بيع المشاريع، بل يمتد إلى التفكير معًا في كيفية تطويرها، وتحسين جودتها، وجعلها أكثر استجابة لتطلعات الجزائريين داخل الوطن وخارجه.
هذه هي الرسالة التي نريد أن يحملها «سينا»: أن الاستثمار الواعي يبدأ بالمعلومة، وأن الجودة تصنع القيمة، وأن الشراكة بين الكفاءات الوطنية والخبرات الدولية يمكن أن تسهم في رسم ملامح مستقبل عقاري وعمراني أفضل للجزائر.
«لا يتعلق الأمر فقط بعرض العقار، بل ببناء الثقة حوله، ولا يقتصر الطموح على بيع المشاريع، بل يمتد إلى التفكير معًا في كيفية تطويرها وتحسين جودتها».
«الاستثمار الواعي يبدأ بالمعلومة، والجودة تصنع القيمة، والشراكة بين الكفاءات الوطنية والخبرات الدولية يمكن أن تسهم في رسم ملامح مستقبل عقاري وعمراني أفضل للجزائر».


