افتتاح الطبعة الخامسة من «سينا باريس 2026».. العقار الجزائري بين رهانات الاستثمار والجودة وبناء الثقة
سفيان وهاب: نطمح إلى تحويل الصالون إلى منصة دولية للاستثمار العقاري وصناعة الثقة

باريس – خاص | دينا براس
وتُنظَّم هذه الطبعة بإشراف شركة Sina Events، بقيادة مدير المعرض ومنظمه سفيان وهاب (Sofiane Ouhab)، في سياق يتجاوز العرض والتسويق العقاريين نحو بناء فضاء مهني يجمع المستثمرين والمرقين العقاريين والمعماريين والخبراء والمشترين. كما يتيح المعرض تبادل التجارب ومناقشة التحديات المرتبطة بجودة السكن والهندسة المعمارية والتخطيط العمراني، بما يخدم تطوير السوق العقارية الجزائرية ويعزز جسور التعاون مع الكفاءات الوطنية في الخارج.
تمثل الطبعة الخامسة من «سينا باريس» محطة مهمة في مسار المعرض، بعد خمس سنوات من العمل الرامي إلى التعريف بالمشاريع العقارية الجزائرية وتقريبها من أفراد الجالية بالخارج، مع التوجه نحو توسيع أبعاد الحدث وإثراء محتواه باللقاءات المهنية والنقاشات المتخصصة.
وفي حوار خاص مع الموقع الإلكتروني «دينا براس»، أكد سفيان وهاب أن هذه الطبعة لا تمثل مجرد محطة جديدة في مسار المعرض، بل هي حصيلة سنوات من العمل وبناء العلاقات مع العارضين والزوار وأفراد الجالية الجزائرية.
وأوضح أن الطموح يتمثل في الانتقال بالصالون من فضاء لعرض المشاريع إلى منصة أكثر نضجًا، تجمع بين الاستثمار والهندسة المعمارية والتخطيط العمراني وتبادل الخبرات.

وتتمثل أبرز الإضافات في منح المحتوى المهني والمعرفي مساحة أكبر، من خلال ندوات متخصصة بمشاركة معماريين وخبراء ومهنيين من الجزائر والخارج، لمناقشة قضايا جودة المشاريع، والبيع على التصاميم، والعقار الراقي، والسكن داخل المدينة، وإدارة المشاريع العقارية من مرحلة التصور إلى غاية التسليم.
ومن خلال هذه المقاربة، يسعى المنظمون إلى منح الزوار فرصة الاطلاع على العروض العقارية المتاحة، إلى جانب اكتساب معلومات تساعدهم على فهم السوق ومقارنة المشاريع وتقييم الخيارات قبل اتخاذ قرارات الشراء أو الاستثمار.
الجالية الجزائرية في صلب الرهان الاستثماري
تحتل الجالية الجزائرية المقيمة بالخارج مكانة محورية ضمن أهداف «سينا باريس»، بالنظر إلى ارتباط اهتمامها بالعقار في الجزائر باعتبارات متعددة، تجمع بين الاستثمار المالي والبعد العائلي والرغبة في امتلاك مسكن بالوطن أو توفير أصل عقاري للأبناء.
وفي هذا الإطار، يتيح المعرض للزوار فرصة التواصل المباشر مع المرقين العقاريين، والاطلاع على مواقع المشاريع وأسعارها ومواصفاتها وآجال إنجازها، فضلًا عن الاستفسار عن الضمانات والخدمات المرتبطة بها.
ويرى سفيان وهاب أن تقريب المسافة بين المشتري المقيم بالخارج والمشروع العقاري الموجود في الجزائر يتطلب توفير بيئة مناسبة للحوار المباشر وتوضيح المعلومات، بما يسمح بتكوين صورة أكثر شمولًا عن المشروع قبل اتخاذ القرار.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل الصعوبات التي قد تواجه المشتري المقيم خارج الوطن في متابعة الأشغال والتحقق من التفاصيل ميدانيًا، وهو ما يجعل التواصل الواضح وتوفير الوثائق والمعلومات الدقيقة عنصرين أساسيين في تعزيز الثقة بين المشتري والمرقي العقاري.
حماية المشتري والشفافية.. أساس الثقة في السوق العقارية
لم يقتصر خطاب القائمين على المعرض على الترويج للفرص العقارية، بل امتد إلى التأكيد على أهمية الوعي القانوني والتقني والمالي لدى الراغبين في الشراء، باعتبار أن الاستثمار العقاري قرار طويل الأمد يستوجب الدراسة والتحقق قبل الالتزام.
وشدد وهاب على ضرورة عدم الاكتفاء بالصور الترويجية أو الوعود التجارية، داعيًا المشترين إلى التحقق من الوضعية القانونية للمشاريع، وصفة المرقي العقاري، وملكية الأرض، ورخصة البناء، وطبيعة العقود، وجدول الدفع، والمواصفات التقنية، والضمانات وآجال التسليم.

كما أكد أهمية الاستعانة بموثق أو مستشار قانوني وتقني مؤهل عند الحاجة، مع ضرورة التمييز بين دور المعرض باعتباره فضاءً للتواصل وعرض المشاريع، وبين الأدوار المهنية للجهات المختصة بالتحقق من الحقوق والالتزامات التعاقدية.
ويبرز هذا التوجه أهمية ترسيخ ثقافة الشراء الواعي، وتعزيز احترام التشريعات المنظمة للنشاط العقاري وحماية المستهلك، بما يسهم في بناء علاقة أكثر توازنًا بين مختلف أطراف العملية العقارية.
البيع على التصاميم.. فرص استثمارية تتطلب ضمانات واضحة
يحظى موضوع البيع على التصاميم بحيز مهم ضمن النقاشات المهنية المرتبطة بهذه الطبعة، باعتباره إحدى الآليات المعتمدة في الترقية العقارية، والتي تتيح للمشتري التعاقد على عقار قبل اكتمال إنجازه، لكنها تستوجب في المقابل فهمًا دقيقًا للشروط القانونية والتقنية والمالية.

وفي هذا الصدد، أشار وهاب إلى أن القانون الجزائري رقم 11-04 المؤرخ في 17 فبراير 2011، المحدد للقواعد التي تنظم نشاط الترقية العقارية، يشكل أحد الأطر القانونية المنظمة لهذا النشاط، إلى جانب النصوص التنظيمية ذات الصلة.
وأكد أن المشتري مطالب بفهم طبيعة العقد والبيانات المتعلقة بملكية الأرض ورخصة البناء والمواصفات التقنية والسعر وجدول الدفع والضمانات وآجال التسليم، مع ضرورة التأكد من احترام الالتزامات القانونية المتعلقة بالدفعات وضمانات الإنجاز.
وتزداد أهمية هذه المسائل بالنسبة إلى أفراد الجالية المقيمة بالخارج، الذين قد لا يتمكنون من متابعة تقدم الأشغال بصورة منتظمة، ما يجعل الإلمام بالوثائق وآليات المتابعة جزءًا لا يتجزأ من قرار الاستثمار.

من جودة المبنى إلى جودة المدينة
من أبرز أبعاد الطبعة الخامسة توسيع النقاش ليشمل الهندسة المعمارية والتخطيط العمراني والهشاشة الحضرية وإعادة تأهيل الأحياء، في توجه يعكس رؤية تعتبر العقار جزءًا من منظومة حضرية متكاملة، وليس مجرد وحدة سكنية معروضة للبيع.
وأوضح وهاب أن جودة السكن لا تُختزل في مساحة الشقة أو جمال الواجهة، بل ترتبط كذلك بمدى اندماج المشروع في محيطه، وتوافر وسائل النقل والخدمات الأساسية والمساحات العامة والمرافق التعليمية والصحية، فضلًا عن الاعتبارات البيئية والراحة اليومية للسكان.

كما شدد على أن الهندسة المعمارية الحديثة مطالبة بمراعاة احتياجات المستخدمين وطبيعة الموقع والمناخ والإضاءة والتهوية والخصوصية وكفاءة استهلاك الطاقة، إلى جانب جودة المواد وتوزيع المساحات وسهولة الصيانة وإدارة المبنى بعد التسليم.
ومن هذا المنطلق، يطرح المعرض أسئلة تتجاوز الجانب التجاري، لتشمل كيفية تطوير أحياء قابلة للعيش، وتحسين النسيج العمراني القائم، وتعزيز التكامل بين الاستثمار العقاري ومتطلبات التنمية الحضرية المستدامة.

العقار الراقي.. الجودة قبل الشعارات التسويقية
في ظل تنامي استخدام وصف «العقار الفاخر» في الحملات الترويجية، يفتح المعرض المجال أمام نقاش مهني حول المعايير التي تحدد القيمة الحقيقية للعقار الراقي، بعيدًا عن الاكتفاء بارتفاع السعر أو استخدام مواد باهظة التكلفة.
وبحسب وهاب، ترتبط الفخامة الحقيقية بجملة من العناصر المتكاملة، تشمل الموقع وجودة التصميم ومستوى التنفيذ والخصوصية والخدمات وكفاءة التسيير والحفاظ على قيمة العقار بمرور الزمن.

كما تشمل التجربة السكنية المتكاملة الراحة والأمن وكفاءة الطاقة وجودة المساحات المشتركة والصيانة، ومدى استجابة العقار لاحتياجات المستخدمين الفعلية.
ويؤكد هذا الطرح أهمية اعتماد معايير قابلة للتقييم، بما يعزز وعي المشتري ويشجع الفاعلين في السوق على المنافسة على أساس الجودة الحقيقية، بدل الاكتفاء بالشعارات التجارية.

شراكة بين المرقين والمعماريين والكفاءات الجزائرية بالخارج
يشكل جمع المطورين العقاريين والمعماريين والخبراء والمشترين في فضاء واحد إحدى الركائز التي يراهن عليها المنظمون لتعزيز القيمة المضافة للمعرض، من خلال تشجيع الحوار وتبادل المعرفة واستكشاف فرص التعاون.
فبينما يركز المرقي العقاري على قابلية المشروع للإنجاز والتمويل والتسويق، يهتم المعماري بجودة التصميم والفضاء، وينظر المخطط العمراني إلى علاقة المشروع بالمدينة، في حين يبحث المشتري عن القيمة والضمانات وتكاليف التسيير ومدى ملاءمة العقار لاحتياجاته.
ويتيح هذا التقاطع بين الرؤى إمكانية تطوير علاقات مهنية جديدة، وفتح المجال أمام شراكات بين أصحاب المشاريع في الجزائر والكفاءات الجزائرية المقيمة بالخارج، التي اكتسبت خبرات في مجالات الهندسة المعمارية والعقار والتمويل وإدارة المشاريع والتكنولوجيا.
وأكد وهاب أن الهدف لا يتمثل في نقل النماذج الأجنبية بصورة حرفية، بل في الاستفادة من الممارسات الدولية وتكييفها مع الخصوصيات القانونية والاقتصادية والاجتماعية والعمرانية الجزائرية.
ومن شأن هذا التوجه أن يفتح آفاقًا أوسع أمام نقل المعرفة وتطوير الممارسات المهنية، وتحسين جودة الإنجاز، وتعزيز تنافسية المشاريع العقارية الوطنية.

«سينا باريس» يخطط للتوسع نحو لندن ومونتريال في 2027
على صعيد آفاق التطوير، كشف مدير ومنظم «سينا باريس» عن العمل على ثلاثة محاور رئيسية، يتمثل أولها في التوسع الدولي وتعزيز الحضور في أوساط الجالية الجزائرية بالخارج، مع التوجه نحو تنظيم معارض ولقاءات في مدينتي مونتريال ولندن خلال سنة 2027، وفق البرامج والترتيبات المعتمدة.
أما المحور الثاني، فيرتبط بالارتقاء بالمحتوى المهني، عبر تنظيم مؤتمرات أكثر تخصصًا وتطوير لقاءات الأعمال الثنائية (B2B)، وتوسيع النقاش ليشمل الاستثمار والهندسة المعمارية والتخطيط العمراني وإدارة الأصول العقارية وتمويل المشاريع.
ويتمثل المحور الثالث في تعزيز استمرارية العلاقة بين العارضين والزوار بعد انتهاء فعاليات المعرض، من خلال تطوير آليات لمتابعة الاتصالات والفرص والشراكات التي تنشأ خلال اللقاءات، وتحويلها إلى مسارات تعاون أكثر تنظيمًا واستمرارية.
وتعكس هذه المحاور توجهًا نحو تطوير نموذج يجمع بين الحضور الميداني والتواصل المهني المستمر، بما يمنح المعرض قدرة أكبر على خلق القيمة للعارضين والزوار والشركاء.

«سينا باريس».. الاستثمار الواعي بوابة الثقة
في رسالته الختامية إلى أفراد الجالية الجزائرية والمهنيين العقاريين، دعا سفيان وهاب الراغبين في اقتناء عقار بالجزائر إلى جعل المعلومة الموثوقة والمقارنة الواعية أساسًا لقراراتهم، من خلال طرح الأسئلة وطلب الوثائق والتحقق من الضمانات والالتزامات قبل التوقيع.

كما أكد أن مستقبل العقار الجزائري لا يرتبط بعدد الوحدات المنجزة وحده، بل بجودة المشاريع وشفافية المعاملات والثقة بين مختلف الأطراف، إلى جانب القدرة على التفكير في السكن والمدينة معًا منذ المراحل الأولى للتصميم والإنجاز.
وبافتتاح طبعته الخامسة في باريس، يواصل «سينا باريس» مساره نحو توسيع دوره من فضاء للتعريف بالمشاريع العقارية الجزائرية إلى منصة تجمع بين الاستثمار والخبرة والتوعية المهنية، وتفتح المجال أمام تعاون أوسع بين الفاعلين في الجزائر وكفاءاتها المنتشرة عبر العالم.

وبين رهانات الجودة وحماية المشتري والتخطيط العمراني، وطموحات التوسع نحو لندن ومونتريال، يطرح المعرض رؤية تجعل من العقار مجالًا للاستثمار المسؤول وتبادل المعرفة وبناء الشراكات، انطلاقًا من قناعة مفادها أن الثقة لا تصنعها الوعود وحدها، بل تؤسسها المعلومة الواضحة والجودة الفعلية والالتزام بما يُعلن عنه ويُنجز على أرض الواقع.

