الوزير الأول: الجزائر تعمل على بناء منظومة وطنية متكاملة للتمويل المناخي وأسواق الكربون

وأوضح الوزير الأول، في كلمة ألقاها بمناسبة افتتاح أشغال الورشة الوطنية المخصصة للتمويل المناخي وأسواق الكربون، المنعقدة بالجزائر يومي 3 و4 نوفمبر 2026، أن هذا اللقاء يشكل محطة مهمة لتبادل الخبرات ومناقشة الآليات الكفيلة بتعزيز الحوكمة المناخية وتعبئة التمويلات اللازمة لتجسيد التزامات الجزائر في إطار اتفاق باريس للمناخ.
وأشار غريب إلى أن انعقاد هذه الورشة يأتي في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الطاقوي والمناخي الدولي، عشية انعقاد الدورة الحادية والثلاثين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، مؤكدا أن هذه التحولات تمثل تحديا وفرصة في الوقت نفسه لإعادة تشكيل منظومات الطاقة والإنتاج والاستثمار، وفتح آفاق جديدة أمام الصناعات والتكنولوجيات النظيفة.
الجزائر تعزز التزاماتها المناخية باستراتيجية وطنية
وفي استعراضه للجهود الوطنية في مجال العمل المناخي، أكد الوزير الأول أن الجزائر كرست التزامها البيئي ضمن رؤية استراتيجية توازن بين متطلبات التنمية الوطنية والمسؤوليات المناخية، من خلال إدراج قضية تغير المناخ في دستور سنة 2020، وإقرار الاستراتيجية الوطنية للهيدروجين الأخضر سنة 2023، إلى جانب إيداع المساهمة المحددة وطنيا المحدثة لدى أمانة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ خلال شهر أوت الماضي.
كما أشار إلى مواصلة العمل على إعداد الخطة الوطنية للتكيف مع التغيرات المناخية، باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية لتعزيز قدرة البلاد على مواجهة الآثار البيئية والمناخية.
وفي هذا السياق، أوضح أن الجزائر التزمت، ضمن مساهمتها المحددة وطنيا، بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 14 بالمائة في آفاق سنة 2035، مع إمكانية رفع هذه النسبة إلى 31 بالمائة في حال توفر الدعم الدولي اللازم.
وأضاف أن الطموحات الاستثمارية الوطنية في هذا المجال تستهدف تسريع الانتقال الطاقوي وتعزيز القدرة على الصمود أمام تداعيات التغيرات المناخية، بما يضمن انتقالا مناخيا عادلا ومتوازنا يراعي الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
أسواق الكربون رافعة للاستثمار ونقل التكنولوجيا
وبخصوص تطوير أسواق الكربون، شدد الوزير الأول على ضرورة التعامل مع هذا المجال برؤية استباقية، تستند إلى فهم دقيق لقواعده وآلياته، وإرساء أطر تنظيمية ومؤسساتية وتقنية تضمن الشفافية والنزاهة وحماية المصالح الوطنية.
وأكد أن سوق الكربون لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد أداة للامتثال للالتزامات المناخية، بل مجالا اقتصاديا واعدا يمكن أن يساهم في استقطاب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا وخلق القيمة المضافة، فضلا عن تشجيع المشاريع التي تحقق تخفيضات فعلية وقابلة للقياس في الانبعاثات.
كما أبرز أهمية إعداد الإطار المؤسساتي والتقني اللازم لمشاركة الجزائر في الآليات الدولية المنصوص عليها في المادة السادسة من اتفاق باريس، مع ضمان النزاهة البيئية ومنع الازدواج في احتساب التخفيضات، وتحديد قواعد اعتماد المشاريع وملكية وحدات الكربون وتسجيلها وتتبعها.
وفي السياق ذاته، دعا إلى تطوير آليات الضمان وتقاسم المخاطر بما يسمح باستقطاب رؤوس الأموال الخاصة، إلى جانب التمويلات العمومية والدولية.
تعزيز الحوكمة المناخية وتطوير القدرات الوطنية
وأكد غريب أن نجاح مسار التمويل المناخي يتطلب بناء منظومة وطنية متكاملة للحوكمة، تقوم على تنسيق جهود مختلف القطاعات والمؤسسات الاقتصادية والمالية والجامعات ومراكز البحث، مع الاستفادة من الخبرة الدولية.
وشدد على أهمية الخروج بتوصيات عملية تفضي إلى وضع قاعدة قانونية موحدة وأدوات تنفيذية شفافة، تسمح بإرساء إطار وطني فعال للتمويل المناخي وأسواق الكربون، إلى جانب إعداد محفظة وطنية متناسقة من المشاريع المناخية، واضحة الأهداف ومحددة الأولويات وقابلة للقياس والاستفادة من مصادر التمويل المختلفة.
كما أبرز ضرورة تطوير القدرات الوطنية في مجال القياس والإبلاغ والتحقق من انبعاثات الغازات الدفيئة، وتعزيز المنظومة المؤسساتية والتنظيمية المرتبطة بهذا المجال.
ودعا، في هذا الإطار، إلى توسيع مساهمة القطاع الخاص الوطني في تمويل المشاريع المناخية، وتهيئة الظروف الملائمة لتمكين البنوك والمؤسسات المالية من الاضطلاع بدور أكثر فعالية، بالتوازي مع استقطاب الاستثمارات والتمويلات الخارجية.
سوناطراك وسونلغاز في صلب مسار الانتقال الطاقوي
وفي حديثه عن الجهود العملية المبذولة لتجسيد الانتقال الطاقوي، أشار الوزير الأول إلى الدور الذي تؤديه المؤسسات الاقتصادية الوطنية، وفي مقدمتها مجمعا سوناطراك وسونلغاز، في دعم هذا المسار.
وأوضح أن هذه الجهود تشمل تنفيذ برنامج تطوير الطاقة الشمسية، باعتباره أحد المكونات الأساسية لإزالة الكربون من المزيج الطاقوي الوطني، إلى جانب العمل على القضاء على الحرق الروتيني للغاز، والسعي إلى بلوغ هدف صفر انبعاثات غاز الميثان بحلول سنة 2030.
كما تشمل هذه الجهود ترقية الفعالية الطاقوية، وتطوير تقنيات التقاط الكربون، وتعزيز الاستثمار في الهيدروجين الأخضر، بما يساهم في تنويع مصادر الطاقة ودعم التحول نحو اقتصاد أقل انبعاثا.
الجزائر تدعو إلى تمويل مناخي دولي أكثر إنصافا وفعالية
وعلى الصعيد الدولي، أكد الوزير الأول أن الجزائر تواصل المشاركة في النقاشات المتعلقة بالمناخ، دفاعا عن مقاربة عادلة ومتوازنة تحترم خصوصيات الدول وحقها في التنمية، مع تعزيز حضور الدول النامية والمنتجة للطاقة في صياغة مستقبل التمويل المناخي وأسواق الكربون.
وجدد تمسك الجزائر بمبدأ «المسؤولية المشتركة ولكن المتباينة»، داعيا إلى تعزيز التعاون الدولي، خصوصا في مجالات التمويل ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات.
كما شدد على ضرورة اضطلاع آليات التمويل الدولية، وفي مقدمتها الصندوق الأخضر للمناخ، بدور أكثر استجابة وفعالية، من خلال تبسيط إجراءات الحصول على التمويل، وتعزيز المنح والتمويلات الميسرة، وتوفير الضمانات الاستثمارية اللازمة، فضلا عن دعم نقل التكنولوجيا لتمكين الدول النامية من الوفاء بالتزاماتها المناخية.
واختتم الوزير الأول كلمته بالتأكيد على أن نجاح الاستراتيجيات المناخية يقاس بمدى تحويلها إلى استثمارات ومشاريع ملموسة على أرض الواقع، في مجالات خفض الانبعاثات والتكيف مع التغيرات المناخية وتعزيز المرونة، مع الحفاظ على ديناميكية التنمية الوطنية.
كما دعا المشاركين من مؤسسات وطنية وخبراء وشركاء دوليين إلى استثمار أشغال الورشة في صياغة مقترحات عملية وقابلة للتنفيذ، من شأنها الإسهام في بناء منظومة وطنية متكاملة ومستدامة للتمويل المناخي وأسواق الكربون.




